وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍۢ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ ۖ فَٱسْتَغَٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوٌّۭ مُّضِلٌّۭ مُّبِينٌۭ
Dan masuklah ia ke bandar (Mesir) dalam masa penduduknya tidak menyedarinya, lalu didapatinya di situ dua orang lelaki sedang berkelahi, - seorang dari golongannya sendiri dan yang seorang lagi dari pihak musuhnya. Maka orang yang dari golongannya meminta tolong kepadanya melawan orang yang dari pihak musuhnya; Musa pun menumbuknya lalu menyebabkan orang itu mati. (pada saat itu) Musa berkata: "Ini adalah dari kerja Syaitan, sesungguhnya Syaitan itu musuh yang menyesatkan, yang nyata (angkaranya) ".— Terjemahan Basmeih
Sedang menyusun renungan dari tafsir muktabar. Sebentar ya…
Masuk untuk tulis nota pada ayat ini.
📚Rujukan kitab tafsir (sumber)
Lihat teks asal (Arab)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ قِيلَ: لَمَّا عَرَفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فِي دِينِهِ، عَابَ مَا عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، وَفَشَا ذَلِكَ، مِنْهُ فَأَخَافُوهُ فَخَافَهُمْ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ إِلَّا خَائِفًا مُسْتَخْفِيًا وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ مُوسَى فِي وَقْتِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى رَسْمِ التَّعَلُّقِ بِفِرْعَوْنَ، وَكَانَ يَرْكَبُ مَرَاكِبَهُ، حَتَّى كان يدعى موسى بن فِرْعَوْنَ، فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وَسَارَ إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ مِصْرَ يُقَالُ لَهَا مَنْفُ- قَالَ مُقَاتِلٌ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ مِنْ مِصْرَ- ثُمَّ عَلِمَ مُوسَى بِرُكُوبِ فِرْعَوْنَ، فَرَكِبَ بَعْدَهُ وَلَحِقَ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ فِي وَقْتِ القائلة، وهو وقت الغفلة، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلِ الْمَدِينَةُ مِصْرُ نَفْسُهَا، وَكَانَ مُوسَى فِي هَذَا الْوَقْتِ قَدْ أَظْهَرَ خِلَافَ فِرْعَوْنَ، وَعَابَ عَلَيْهِمْ عِبَادَةَ فِرْعَوْنَ وَالْأَصْنَامِ، فَدَخَلَ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ يَوْمًا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: وَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ نَابَذَ مُوسَى وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَغَابَ عَنْهَا سِنِينَ، وَجَاءَ وَالنَّاسُ عَلَى غَفْلَةٍ بِنِسْيَانِهِمْ لِأَمْرِهِ، وَبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: طَلَبَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَقْتَ غَفْلَةِ أَهْلِهَا، فَدَخَلَهَا حِينَ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَكَانَ مِنْهُ مِنْ قَتْلِ الرَّجُلِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْمَرَ بِقَتْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فَغَفَرَ لَهُ وَيُقَالُ فِي الْكَلَامِ: دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ حِينَ غَفَلَ أَهْلُهَا، وَلَا يُقَالُ: عَلَى حِينِ غَفَلَ أَهْلُهَا، فَدَخَلَتْ "عَلى " فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، فَصَارَ هَذَا كَمَا تَقُولُ: جِئْتُ عَلَى غَفْلَةٍ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: جِئْتُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ، وَكَذَا الْآيَةُ. (فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ) وَالْمَعْنَى: إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمَا النَّاظِرُ قَالَ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ، أَيْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. (وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) أَيْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ) أَيْ طَلَبَ نَصْرَهُ وَغَوْثَهُ، وَكَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا: "فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ" أَيْ يَسْتَغِيثُ بِهِ عَلَى قِبْطِيٍّ آخَرَ وَإِنَّمَا أَغَاثَهُ لِأَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ دِينٌ فِي الْمِلَلِ كُلِّهَا عَلَى الْأُمَمِ، وَفَرْضٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ. قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ الْقِبْطِيُّ أَنْ يُسَخِّرَ الْإِسْرَائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ خَبَّازًا لفرعون. (فَوَكَزَهُ مُوسى) قَالَ قَتَادَةُ: بِعَصَاهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِكَفِّهِ، أَيْ دَفَعَهُ وَالْوَكْزُ وَاللَّكْزُ وَاللَّهْزُ وَاللَّهْدُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الْكَفِّ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَكَزَهُ". وَقِيلَ: اللَّكْزُ فِي اللَّحْيِ وَالْوَكْزُ عَلَى الْقَلْبِ. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "فَنَكَزَهُ" بِالنُّونِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ بِالْجُمْعِ عَلَى الصَّدْرِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَاللَّهْزُ: الضَّرْبُ بِجُمْعِ الْيَدِ فِي الصَّدْرِ مِثْلُ اللَّكْزِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: هُوَ بِالْجُمْعِ فِي اللَّهَازِمِ وَالرَّقَبَةِ، وَالرِّجْلُ مِلْهَزٌ بكسر الميم. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ، أَيْ ضَرَبَهُ وَدَفَعَهُ. الْكِسَائِيُّ: نَهَزَهُ مِثْلُ نَكَزَهُ وَوَكَزَهُ، أَيْ ضَرَبَهُ وَدَفَعَهُ. وَلَهَدَهُ لَهْدًا أَيْ دَفَعَهُ لِذُلِّهِ فَهُوَ مَلْهُودٌ، وكذلك لهده، قال طرفة يذم رجلا: بطي عَنِ الدَّاعِي [[ويروى: "عن الجلى". والذلول ضد الصعب. ويروى: "ذليل". وأجماع جمع (جمع) وهو ظهر الكف إذا جمعت أصابعك وضممتها.]] سَرِيعٌ إِلَى الْخَنَا ... ذَلُولٌ بِأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ أَيْ مُدَفَّعٌ وَإِنَّمَا شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَلَهَدَنِي- تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ- لَهْدَةً أَوْجَعَنِي، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. فَفَعَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ قَتْلَهُ، إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَهُ فَكَانَتْ فِيهِ نَفْسُهُ، وَهُوَ مَعْنَى: "فَقَضى عَلَيْهِ". وكل شي أَتَيْتَ عَلَيْهِ وَفَرَغْتَ مِنْهُ فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ قَالَ [[هو جرير. والأشجع يريد به الشجاع من الحيات. وصدر البيت: أيفايشون وقد رأوا حفاءهم]]: قَدْ عَضَّهُ فَقَضَى عَلَيْهِ الْأَشْجَعُ (قالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) أَيْ مِنْ إِغْوَائِهِ قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ قَتْلُ الْكَافِرِ يَوْمَئِذٍ فِي تِلْكَ الْحَالِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ حَالَ كَفٍّ عَنِ الْقِتَالِ. "إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. (قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) نَدِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ الْوَكْزِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ذَهَابُ النَّفْسِ، فَحَمَلَهُ نَدَمُهُ عَلَى الْخُضُوعِ لِرَبِّهِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ قَتَادَةُ: عَرَفَ وَاللَّهِ الْمَخْرَجَ فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ ﷺ يُعَدِّدُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ، حَتَّى إِنَّهُ فِي الْقِيَامَةِ يَقُولُ: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا. وَإِنَّمَا عَدَّدَهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَنْبًا وَقَالَ: "ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي" مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يُؤْمَرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُشْفِقُونَ مِمَّا لَا يُشْفِقُ مِنْهُ غَيْرُهُمْ. قَالَ النَّقَّاشُ: لَمْ يَقْتُلْهُ عَنْ عَمْدٍ مُرِيدًا لِلْقَتْلِ، وَإِنَّمَا وَكَزَهُ وَكْزَةً يُرِيدُ بِهَا دَفْعَ ظُلْمِهِ. قَالَ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَ إِذْ ذَاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَتْلُهُ مَعَ ذَلِكَ خَطَأً فَإِنَّ الْوَكْزَةَ وَاللَّكْزَةَ فِي الْغَالِبِ لَا تَقْتُلُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ! سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجئ من ها هنا- وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ- مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ وَأَنْتُمْ بَعْضُكُمْ يَضْرِبُ رِقَابَ بَعْضٍ وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى "قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ" أَيْ من المعرفة والحكمة وَالتَّوْحِيدِ "فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ" أَيْ عَوْنًا لِلْكَافِرِينَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَلَمْ يَقُلْ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ الْمَغْفِرَةِ، لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ الْوَحْيِ، وَمَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ الْقَتْلَ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: "بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- مِنَ الْمَغْفِرَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ:" بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ "مِنَ الْمَغْفِرَةِ فَلَمْ تُعَاقِبْنِي. الْوَجْهُ الثَّانِي- مِنَ الهداية. قلت:" فَغَفَرَ لَهُ "يَدُلُّ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لا تؤبن" فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ "وَأَنْ يَكُونَ اسْتِعْطَافًا كَأَنَّهُ قَالَ: رَبِّ اعْصِمْنِي بِحَقِّ مَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ الْمَغْفِرَةِ فَلَنْ أَكُونَ إِنْ عَصَمْتَنِي ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وَأَرَادَ بِمُظَاهَرَةِ الْمُجْرِمِينَ إِمَّا صُحْبَةَ فِرْعَوْنَ وَانْتِظَامَهُ فِي جُمْلَتِهِ، وَتَكْثِيرَ سَوَادِهِ، حَيْثُ كَانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كَالْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدِ، وَكَانَ يُسَمَّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وَإِمَّا بِمُظَاهَرَةِ مَنْ أَدَّتْ مُظَاهَرَتُهُ إِلَى الْجُرْمِ وَالْإِثْمِ، كَمُظَاهَرَةِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْقَتْلِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ وَقِيلَ: أَرَادَ إِنِّي وَإِنْ أَسَأْتُ فِي هَذَا الْقَتْلِ الَّذِي لَمْ أُومَرْ بِهِ فَلَا أَتْرُكُ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، فَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْرَائِيلِيُّ مُؤْمِنًا وَنُصْرَةُ الْمُؤْمِنِ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ. وَقِيلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: إِنَّ ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيَّ كَانَ كَافِرًا وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ إِنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا وَلَمْ يُرِدِ الْمُوَافَقَةَ فِي الدِّينِ، فَعَلَى هَذَا نَدِمَ لِأَنَّهُ أعان كافر عَلَى كَافِرٍ، فَقَالَ: لَا أَكُونُ بَعْدَهَا ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ. وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا خَبَرًا بَلْ هُوَ دُعَاءٌ، أَيْ فَلَا أَكُونُ بَعْدَ هَذَا ظَهِيرًا أَيْ فَلَا تَجْعَلْنِي يَا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. وقال الفراء: الْمَعْنَى، اللَّهُمَّ فَلَنْ أَكُونَ بَعْدُ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عباس قال النحاس: وأن يكون بمعنى الْخَبَرِ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِنَسَقِ الْكَلَامِ، كَمَا يُقَالُ: لَا أَعْصِيكَ لِأَنَّكَ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا مَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ مِنْ ثَانِي يَوْمٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَكُونُ فِي الدُّعَاءِ، لَا يُقَالُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَأَعْجَبُ الْأَشْيَاءِ أَنَّ الْفَرَّاءَ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ثُمَّ حَكَى عَنْهُ قَوْلَهُ. قُلْتُ: قَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُلَخَّصًا مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ" النَّمْلِ "وَأَنَّهُ خَبَرٌ لَا دُعَاءٌ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَعْنِي لَمْ يَقُلْ فَلَنْ أَكُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا نَحْوَ قَوْلِهِ:" وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا "الثَّانِيَةُ- قَالَ سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ: بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى الضَّحَّاكِ بِعَطَاءِ أَهْلِ بُخَارَى وَقَالَ: أَعْطِهِمْ، فَقَالَ: اعْفِنِي، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْفِيهِ حَتَّى أَعْفَاهُ. فَقِيلَ لَهُ مَا عَلَيْكَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ وأنت لا ترزؤهم شيئا؟ وقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شي مِنْ أَمْرِهِمْ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: إِنَّ لِي أَخًا يَأْخُذُ بِقَلَمِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسِبُ مَا يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ، وَلَهُ عِيَالٌ وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَاحْتَاجَ وَادَّانَ؟ فَقَالَ: مَنِ الرَّأْسُ؟ قُلْتُ: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، قَالَ: أَمَا تَقْرَأُ مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ" رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ علي فلن أكون ظهير لِلْمُجْرِمِينَ "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ ثَانِيَةً فَأَعَانَهُ اللَّهُ، فَلَا يُعِينُهُمْ أَخُوكَ فَإِنَّ اللَّهَ يُعِينُهُ- قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعِينَ ظَالِمًا وَلَا يَكْتُبَ لَهُ وَلَا يَصْحَبَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ مُعِينًا لِلظَّالِمِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ:" يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَشْبَاهُ الظَّلَمَةِ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ حَتَّى مَنْ لَاقَ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا فَيُجْمَعُونَ فِي تَابُوتٍ مِنْ حَدِيدٍ فَيُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ". وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ مَشَى مَعَ مَظْلُومٍ لِيُعِينَهُ عَلَى مَظْلِمَتِهِ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ وَمَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ عَلَى ظُلْمِهِ أَزَلَّ اللَّهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تُدْحَضُ فِيهِ الْأَقْدَامُ". وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ فَقَدْ أَجْرَمَ" فَالْمَشْيُ مَعَ الظَّالِمِ لَا يَكُونُ جرما إلا إذا مشي معه ليعينه، لأنه ارْتَكَبَ نَهْيَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: "وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً﴾ قَدْ تَقَدَّمَ فِي "طه" [[راجع ج ١١ ص ٢٠٢ طبعه أولى أو ثانية.]] وَغَيْرِهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَخَافُونَ، رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْخَوْفَ لَا يُنَافِي الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ وَلَا التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ فَقِيلَ: أَصْبَحَ خَائِفًا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا. وَقِيلَ: خَائِفًا مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يُسَلِّمُوهُ. وَقِيلَ: خَائِفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. (يَتَرَقَّبُ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَتَلَفَّتُ مِنَ الْخَوْفِ وَقِيلَ: يَنْتَظِرُ الطَّلَبَ. وَيَنْتَظِرُ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: "يَتَرَقَّبُ" أَيْ يَتَرَقَّبُ الطَّلَبَ. وَقِيلَ: خَرَجَ يَسْتَخْبِرُ الْخَبَرَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عَلِمَ بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ غَيْرَ الْإِسْرَائِيلِيِّ. وَ "أَصْبَحَ" يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى صَارَ، أَيْ لَمَّا قَتَلَ صَارَ خَائِفًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ، أَيْ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَهُ. وَ "خائِفاً" مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ أَصْبَحَ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْحَالِ، وَيَكُونُ الظَّرْفُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ. (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) أَيْ فَإِذَا صَاحِبُهُ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي خَلَّصَهُ بِالْأَمْسِ يُقَاتِلُ قِبْطِيًّا آخر أرد أَنْ يُسَخِّرَهُ. وَالِاسْتِصْرَاخُ الِاسْتِغَاثَةُ. وَهُوَ مِنَ الصُّرَاخِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يَصْرُخُ وَيُصَوِّتُ فِي طَلَبِ الْغَوْثِ. قَالَ [[هو سلامة بن جندل. والطنابيب (جمع ظنبوب): وهو حرف العظم اليابس من الساق. والمراد سرعة الإجابة.]]: كُنَّا إِذَا مَا أَتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ ... كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنَابِيبِ قِيلَ: كَانَ هَذَا الْإِسْرَائِيلِيُّ الْمُسْتَنْصِرُ السَّامِرِيَّ اسْتَسْخَرَهُ طَبَّاخُ فِرْعَوْنَ فِي حَمْلِ الْحَطَبِ إِلَى الْمَطْبَخِ، ذَكَرَهُ القشيري و "الَّذِي" رفع بالابتداءو- "يَسْتَصْرِخُهُ" فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الحال. وأمس لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَإِذَا دَخَلَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَوِ الْإِضَافَةُ تَمَكَّنَ فَأُعْرِبَ بِالرَّفْعِ وَالْفَتْحِ عِنْدَ أكثر النحويين. منهم مَنْ يَبْنِيهِ وَفِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وغيره أن مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُجْرِي أَمْسَ مَجْرَى مَا لَا يَنْصَرِفُ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَاصَّةً، وَرُبَّمَا اضْطُرَّ الشَّاعِرُ فَفَعَلَ هَذَا فِي الْخَفْضِ وَالنَّصْبِ، وقال الشاعر: لقد رأيت عجبا مذ أمسا فخفض بمذ مَا مَضَى وَاللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ الرَّفْعُ، فَأُجْرِيَ أَمْسُ فِي الْخَفْضِ مَجْرَاهُ فِي الرَّفْعِ عَلَى اللُّغَةِ الثَّانِيَةِ. (قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) وَالْغَوِيُّ الْخَائِبُ، أَيْ لِأَنَّكَ تُشَادُّ مَنْ لَا تُطِيقُهُ. وَقِيلَ: مُضِلٌّ بَيِّنُ الضَّلَالَةِ، قَتَلْتُ بِسَبَبِكِ أَمْسِ رَجُلًا، وَتَدْعُونِي الْيَوْمَ لِآخَرَ. وَالْغَوِيُّ فَعِيلٌ مِنْ أَغْوَى يُغْوِي، وَهُوَ بِمَعْنَى مُغْوٍ، وَهُوَ كَالْوَجِيعِ وَالْأَلِيمِ بِمَعْنَى الْمُوجِعِ وَالْمُؤْلِمِ وَقِيلَ: الْغَوِيُّ بِمَعْنَى الْغَاوِي أَيْ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ فِي قِتَالِ مَنْ لَا تُطِيقُ دَفْعَ شَرِّهِ عَنْكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا قَالَ لِلْقِبْطِيِّ "إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ" فِي اسْتِسْخَارِ هَذَا الْإِسْرَائِيلِيِّ وَهَمَّ أَنْ يَبْطِشَ به. يقال: بَطَشَ يَبْطِشُ وَيَبْطُشُ وَالضَّمُّ أَقْيَسُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَتَعَدَّى. (قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي) قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَبْطِشَ بِالْقِبْطِيِّ فَتَوَهَّمَ الْإِسْرَائِيلِيُّ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، لِأَنَّهُ أَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَقَالَ: "أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ" فَسَمِعَ الْقِبْطِيُّ الْكَلَامَ فَأَفْشَاهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ الْإِسْرَائِيلِيُّ بِالْقِبْطِيِّ فَنَهَاهُ مُوسَى فَخَافَ مِنْهُ، فَقَالَ: "أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ". (إِنْ تُرِيدُ) أَيْ مَا تُرِيدُ. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ) أي قتالا، قال عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ بِغَيْرِ حَقٍّ. (وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بين الناس.